محمد بن محمد بن أحمد القرشي ( ابن الأخوة )

79

معالم القربة في احكام الحسبة

وأما الممتنع من إخراج زكاته فإن كان من الأموال الظاهرة فعامل الصّدقة يأخذها منه جبرا أخصّ ، وهو بتعزيره على الغلول إن لم يجد له عذرا أحق . لأنها معصية لا حدّ فيها ، ولا كفّارة ، وإن كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون المحتسب أخصّ بالإنكار عليه من عامل الصّدقة لأنّه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة ، ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخصّ لانّه لو دفعها إليه أجزأه ، ويكون تأديبه معتبرا بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته ، فإن ذكر أنه يخرجها سرّا وكل إلى أمانته فيها . فإن رأى المحتسب رجلا يتعرّض لمسألة النّاس وطلب الصّدقة وعلم أنه غنى ، إمّا بمال أو عمل أنكره عليه وأدّبه فيه . وكان المحتسب أخصّ بالإنكار من غيره ، فقد فعل عمر رضى اللّه عنه مثل ذلك في قوم من أهل الصّدقة ، ولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس أعلمه تحريمها عليه ، وعلى المستغنى عنها ولم ينكر عليه لجواز أن يكون في الباطن فقيرا . وإذا تعرّض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل زجره وأمره أن يتعرّض للانصراف لعمله ، فإن أقام على المسألة عزّره حتى يقلع عنها ، وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولا خرق الإجماع وخالف فيه النّص وردّ قوله علماء عصره أنكر عليه وزجره عنه ، فإن أقلع وتاب وإلّا فالسلطان بتهذيب الدّين أحقّ ، وإذا انفرد بعض السّلف ، والمفسّرين لكتاب اللّه تعالى بتأويل عدل عنه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة متكلّف له أغمض معانيه أو تفرد بعض الرّواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها التّأويل كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه . وهذا إنّما يصحّ منه إنكاره إذا تميّز عنده الصّحيح من الفاسد والحق من الباطل ، وذلك من أحد الوجهين . إما أن يكون بقوّته في العلم واجتهاده فيه لا يخفى ذلك عليه ، وإمّا